في زمن تتقاطع فيه الثقافات على نحو لم تعرفه البشرية من قبل، يصبح الإعلام أكثر من مجرد مهنة تُنقل عبرها الأخبار والبرامج. الإعلام في جوهره اليوم هو مساحة عامة تُبنى فيها الذاكرة، وتُصاغ فيها الهوية، وتُروى فيها قصة المجتمع عبر أصوات مختلفة، وتجارب متعددة. وفي دولة مثل قطر، التي تستضيف على أرضها أكثر من مئة جنسية، يصبح هذا الدور أكثر حساسية وأعمق تأثيراً.
لا يُنتظر من الإعلام أن يكون مرآة محايدة فقط، بل أن يتحول إلى جسر يصل بين فئات المجتمع وثقافاته. وإذا كان الاقتصاد يبني الطرق والموانئ، فالإعلام يبني المعنى. والهوية، مهما بدت مستقرة، ليست شيئاً يُحفظ في المتاحف، بل تُصنع يومياً من خلال اللغة، والقصص، والوجوه، والبرامج التي نراها ونسمعها.
لقد كشف الحوار الأخير مع الإعلامية مريم المنصور أن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون أقوى من أي تقنية، وأن الشاشة—رغم سطوع أضوائها—لا تستطيع إخفاء النوايا. فالإعلامي الحقيقي ليس من يملك حضوراً لافتاً أمام الكاميرا، بل من يملك حضوراً أخلاقياً داخلها. أن تقول ما تؤمن به، وأن يبقى ما تقوله متسقاً مع ما تعيشه، هذه هي المعادلة الصعبة التي تفرّق بين “المقدم” و“الإعلامي”.
وفي مجتمع متعدد الثقافات مثل قطر، يُنتظر من الإعلام دور يتجاوز نقل الأخبار أو تقديم البرامج التعليمية والترفيهية. المطلوب منه أن يوسّع مساحة الفهم المشترك بين السكان، وأن يتيح لكل من يعيش على هذه الأرض أن يرى جزءاً من نفسه على الشاشة، لا بوصفه “وافداً” أو “جنسية”، بل بوصفه إنساناً مساهماً في بناء المجتمع.
هنا تتضح أهمية ما أشارت إليه المنصور: “الإعلام لا يركز على الجنسيات، بل على العطاء”. هذه العبارة تلخّص رؤية متقدمة للإعلام في بيئة متنوعة. فالقيمة ليست في الهوية الورقية، بل في الدور الحقيقي للفرد داخل المجتمع. وإذا استطاع الإعلام أن يقدّم هذا المنظور، فإنه يحمي الهوية القطرية من الانغلاق، ويجعلها أكثر ثقة بنفسها وقدرة على احتضان الآخر.
لكن تعزيز الهوية لا يعني الانغلاق أو رفض التنوع. بالعكس، الهوية القوية هي تلك التي تسمح بالاختلاف دون خوف، وتستطيع أن تعرض ثقافتها دون مبالغة أو تراجع. وحين تقول المنصور إن “الزي الوطني جزء من الرسالة”، فهي لا تتحدث عن مظهر، بل عن حضور يومي للهوية في فضاء عام يراه الجميع. فالزي، واللغة، والقيم، كلها أدوات رمزية ترسم صورة المجتمع أمام نفسه وأمام العالم
فالإعلام القطري اليوم يعيش لحظة انتقال مهمة. هناك جيل شاب يدخل المجال بروح جديدة، وهناك مؤسسات تتطور بسرعة، وهناك جمهور بات أكثر وعياً ومطالبة بالمصداقية. ومن بين كل هذه التحولات، يظل السؤال الأساسس: هل يستطيع الإعلام أن يكون صوتاً يجمع لا يفصل؟
الإجابة ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية كل إعلامي يقترب من الكاميرا أو يكتب سطراً أو يعدّ تقريراً.
في النهاية الإعلام ليس سلطة رابعة فحسب، بل هو ذاكرة المجتمع. وما نختار أن نقوله اليوم سيصبح غداً جزءاً من رواية قطر للعالم ولأجيالها القادمة. نحن نصنع هذه الرواية معاً، بالكلمة التي تُقال، بالصوت الذي يُسمع، وبالنية التي تقف خلفهما
وهذا بالضبط ما تحتاجه دولة تُبنى على رؤية 2030: إعلامٌ يُنصت، ويشرح، ويجمع، ويُظهر للعالم أن التنوع ليس تحدياً بل قيمة تُثري الهوية ولا تُضعفها.