
يقام أسبوع الثقافة الأمريكية في قطر من الخميس 13 نوفمبر 2025 إلى الأربعاء 19 نوفمبر 2025 في الحي الثقافي كتارا وقاعات مختارة في المدينة التعليمية واختيار هذا التوقيت يمنح الفعاليات ذروة نهاية الأسبوع مع مساحة كافية للورش والحوارات، ويجعل الأسبوع أقرب إلى فصل مكثف من التعارف الفني والفكري والاقتصادي.
ولا يراهن الأسبوع على مشاهدات عابرة بقدر ما يراهن على عمق التنوع في المشهد الأمريكي ذاته فتحت سقف واحد تلتقي مدارس الجاز والبلوز والهيب هوب مع المسرح الموسيقي وصناعة السينما المستقلة، وتجاور الفنون المعاصرة تقاليد الأمريكيين الأصليين وموروث الجنوب والغرب والهادي وهذا الامتداد يمنح جمهور الدوحة فرصة نادرة لقراءة أمريكا كدولة متنوعة ثقافياً لا ككتلة واحدة، ويتيح حوارات هادئة حول الاختلاف داخل الاختلاف: كيف تصنع مدن مثل نيويورك ونيوأورلينز وأوستن أصواتها الخاصة، وكيف تسافر هذه الأصوات إلى الخليج وتجد جمهورها الجديد.
ولأن الثقافة هنا ليست معزولة عن حركة الاقتصاد، يضيف الأسبوع بعداً عملياً عبر جلسات ريادة الأعمال والابتكار والإعلام الرقمي، فالأرقام تساعد على قراءة السياق فقد بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين الولايات المتحدة وقطر نحو 11.5 مليار دولار في عام 2024، وهو حجم يوضح أن الجسر الاقتصادي قائم بالفعل ويمكن للثقافة أن توسعه عبر شبكات مهنية ومعرفية تولد من تواصل الفنانين والجامعات ورواد الأعمال؛ وفي السيــــاق نفسه أعلن جهــــاز قطر للاستثمار عن خطط لمضاعفة استثماراته السنوية في الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، ما يرفع منسوب الحوار بين منظومات الثقافة والابتكار والتمويل في البلدين؛ وهذه المعطيات تجعل ورش الأسبوع وحلقاته النقاشية أكثر من نشاط جانبي؛ إنها اختبار واقعي لكيف يتغذى الاقتصاد الإبداعي على رأس مال رمزي ومعرفي.
كما تضع المدينة التعليمية كتفاً لكتف مع هذا الجسر؛ إذ تستضيف فروع جامعات أمريكية مثل جورجتاون وكارنيجي ميلون ونورثويسترن، بينما يظل وضع تكساس إيه آند إم قيد الإغلاق التدريجي حتى 2028 وفق قرار الجامعة الأم وهذا الحضور الأكاديمي يمد الأسبوع بظهير بحثي وطلابي، ويتيح برامج تبادل ضيوف ومحاضرات مفتوحة وتعاونات قصيرة المدى بين الأساتذة والطلاب والفنانين القادمين، فتتحول الفعاليات من عرض إلى مختبر تعلم.
وفي أمسيات العروض يقدم الجاز بوصفه موسيقى ولدت من تلاقي تقاليد أفريقية وأوروبية في مدن الموانئ، ثم صارت لغة ابتكار عالمي، وفي صباحات الورش يعاد تفكيك هذه اللغة لمن يريد أن يفهم البناء الإيقاعي وكيف تصنع الارتجالات، بينما تشرح جلسات السينما المستقلة كيف يعمل مهرجان صغير على إطلاق صوت مدينة كاملة، وكيف تعيد الأفلام الوثائقية رسم الذاكرة العامة وهذه الفقرات لا تحتاج كلها إلى أرقام لتقنع؛ ويكفي أن يخرج الزائر بنص قصير كتبه في ورشة كتابة، أو بمقطع تسجيل صنعه في استوديو مصغر، أو بفكرة برنامج بودكاست وُلدت من حوار على هامش عرض.
كما يخاطب الأسبوع أيضا جانب المجتمع والحياة اليومية وتقديرات إعلامية تتحدث عن جالية أمريكية تقارب 15 ألف مقيم في قطر، والجمهور الأوسع في البلاد متنوع بدرجة لافتة حيث يبلغ عدد غير المواطنين نحو 2.76 مليون من أصل 3.12 مليون نسمة في 2025؛ وهذا التنوع ليس رقما بقدر ما هو بنية استقبال: مدارس دولية، مسارح مجهزة، منصات أعمال، وأحياء تعرف التعدد بالاسم واللغة؛ لذلك تبدو الفعاليات الثقافية مثل هذا الأسبوع امتداداً طبيعياً لمشهد اجتماعي يستقبل الاختلاف بوصفه خبرة يومية.
وحين ننظر إلى الأمواج القصيرة التي تصنع الأثر، تظهر مؤسسات مثل غرفة التجارة الأمريكية في قطر وفعالياتها الدورية منصة للتلاقي بين الشركات والمبدعين والجامعات؛ وعلى الهامش تُبرم شراكات صامتة: مصور قطري يتفق مع منصة أمريكية لإنتاج قصة بصرية عن الرياضة المجتمعية، وطالبة إعلام تحصد فرصة تدريب، وفريق ناشئ يبني نموذجاً أولياً لتطبيق ثقافي وهكذا تعمل الثقافة كعصب ذكي يسرع انتقال الأفكار بين السوق والجامعة والمسرح.
وفي الختام ليست الغاية أن نلبس الثقافة ثوباً اقتصادياً فحسب، بل أن نبقيها وفية لوظيفتها الأولى وهي توسيع الخيال العام؛ وفي نهاية الأسبوع يعود الزائر إلى بيته ومعه أغنية جديدة، ومصطلح سينمائي، واسم جامعة، وربما بطاقة عمل؛ فتتراكم هذه التفاصيل الصغيرة هو ما يصنع الجسر الكبير بين الدوحة وأمريكا، حيث تتحرك المعرفة والفن والفرص على المسار نفسه، وتبقى المدينة قادرة على الإصغاء والتجريب والتعايش.