من إسطنبول إلى الدوحةأسبوع تركي يعزف على وترين شرقي وغربي

يقام أسبوع الثقافة التركية في قطر من الجمعة 24 اكتوبر 2025 حتى الخميس 30 اكتوبر 2025 ببرنامج موزع بين الحي الثقافي كتارا والمدينة التعليمية، مع اعتماد حفل موسيقي تركي في مسرح كتارا يوم الاثنين 27 اكتوبر كحدث مركزي للأسبوع؛ ولعل اختيار هذا الإطار الزمني يضع الافتتاح في عطلة نهاية الأسبوع ويستثمر ذروة الحضور منتصف الأسبوع حول الحفل، مع فسحة صباحية للورش والحوارات حيث ان تاريخ الحفل مثبت على أجندة كتارا، بينما تبقى بقية الفعاليات ضمن برمجة تحريرية قابلة للتحديث بحسب الجهة المنظمة.
ويذهب الأسبوع إلى ما هو أبعد من بطاقة بريدية عن تركيا ففي القاعة تتجاور مدارس الرقص والإنشاد الصوفي مع الموسيقى المعاصرة والسينما المستقلة والأدب المترجم، وفي الساحة المفتوحة يلتقي المطبخ العثماني بتأثيراته المتوسطية والبلقانية والشرق أوسطية وهذا التنوع لا يحتاج في كل فقرة إلى رقم كي يثبت حضوره؛ يكفي أن يرى الزائر كيف يمكن لإيقاع دف واحد ورقصة دورانية أن تبني لغة مشتركة بين غربتين: غربة المسافر وغربة الاكتشاف الأول.
ومع ذلك تعطي الأرقام صورة واضحة عن الأرض التي تستقبل هذا التنوع حيث تشير تقارير سكانية حديثة إلى أن غير المواطنين يشكلون نحو 88.4 في المئة من سكان قطر عام 2025، أي قرابة 2.76 مليون من أصل نحو 3.12 مليون نسمة، ما يعني جمهورا متعدد اللغات يتفاعل بسهولة مع الفنون القادمة من الأناضول، أما الجالية التركية نفسها فتظهر كتقدير صغير نسبياً في قطر بحدود خمسة عشر الف مقيم، ما يجعل جمهور الأسبوع أوسع من دائرة جالية بعينها، وأقرب إلى جمهور مدينة يستهويها الاختلاط الثقافي.
كما ان البعد الاقتصادي ليس ديكوراً مضافا إلى الثقافة هنا، فبيانات التجارة الثنائية تسجل حركة متبدلة لكنها نشطة: فحسب قواعد بيانات التجارة، بلغت صادرات تركيا إلى قطر نحو 714 مليون دولار في 2024، بينما يظهر المسار الشهري لعام 2025 مستويات تبادل متغيرة بين عشرات ملايين الدولارات شهرياً، وهو ما تعكسه أيضا منصات بيانات التجارة الدولية ولهذا فإن وجود أسبوع ثقافي نشط يفتح نوافذ لقاء واقعية بين مصممين وحرفيين وفنانين أتراك من جهة، ورواد أعمال ومنصات قطرية من جهة أخرى، ليعمل الفن كمعرف تمهيدي لعلاقات سوق أوسع.
اما داخل البرنامج تقترح أمسيات الموسيقى التركية رحلة موجزة في التاريخ الحي للأنماط الموسيقية، من المقامات العثمانية إلى التجارب المعاصرة التي تمزج الجاز بأنغام الشرق ووجود حفل موسيقي تركي مثبت في 27 اكتوبر على مسرح كتارا يمنح الأسبوع ركيزة مؤكدة، وتستطيع الفعاليات حوله أن تبني طبقات إضافية: ورشة تعريف بالمقامات والإيقاعات، عرض قصير للسينما الوثائقية عن المدن التركية، وقراءات شعرية مترجمة للغتين العربية والإنجليزية. هنا لا تلزم الأرقام كي يقنع الأثر؛ يكفي أن يغادر الزائر ومعه كلمة تركية جديدة، ومقطوعة قصيرة سجّلها في ورشة، وصورة لطبق تعرف على قصته.
وفي الساحة الخارجية يعمل المطبخ كوسيط اجتماعي سريع فقصص البقلاوة والدولما والكفتة تتجاور مع حكايات طرق التوابل القديمة، وتعرض وصفات مبسطة تراعي الذائقة المحلية بطاقة صغيرة تشرح أصل الطبق وتأثيراته العثمانية والمتوسطية تصنع جسراً بصرياً فورياً، وتحول الزيارة إلى خبرة يمكن تكرارها في البيت في اليوم التالي، كل هذه التفاصيل اليومية هي ما يجعل الجسر بين الشرق الأوسط وأوروبا واقعا محسوسا لا شعارا شاعريا.
ولهذا يقدم أسبوع الثقافة التركية صورة مركبة لبلد يعيش على تماس دائم بين قارتين، ويضع الدوحة أمام فرصة لاكتشاف هذا التماس في الموسيقى والمطبخ والصورة والكتاب فبعض فقراته تسنده أرقام واضحة عن ديموغرافيا قطر واتجاهات التجارة، وبعضها يترك المجال لدهشة التجربة نفسها.
بين الجمعة 24 اكتوبر والخميس 30 اكتوبر، سيكون على الجمهور أن يختبر هذا الجسر بنفسه، وأن يحمل منه ما يستطيع حمله إلى البيت والمدرسة ومكان العمل، فالجسور الحقيقية هي التي تعبر بنا مرتين: مرة ونحن نعبرها، ومرة وهي تعبر فينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *