
في مدينة تتكلم عشرات اللغات يوميا، تبدو الألعاب النارية لغة مشتركة لا تحتاج إلى قاموس يفتح مهرجان الألعاب النارية في قطر شاشته على سماء الخليج بين السادس والثامن من ديسمبر، وتتحول الأمسيات إلى مسرح بصري مفتوح يلتقي فيه القادمون من ثقافات مختلفة على إيقاع واحد. الفكرة بسيطة لكن أثرها عميق حيث دقائق قليلة من الضوء الموسيقي قادرة على صناعة ذاكرة جماعية، وتذكير الناس بأن المدينة تستطيع أن تجمعهم من دون ترجمة فلا تحتاج كل لحظة في هذه التجربة إلى رقم كي تبرر نفسها؛ فالتصفيق المتزامن، ووميض الهواتف، وتبادل نصائح أماكن الوقوف على الكورنيش أو الواجهة البحرية تكفي لتأكيد أن المشهد مفهوم للجميع بالحدس.
تعمل الخلفية السكانية للدوحة كمنصة خفية تدعم هذه اللغة حيث تشير تقديرات عام 2025 الى ان سكان قطر عند نحو 3.1 إلى 3.12 مليون نسمة مع أغلبية حضرية ساحقة، وهو ما يتيح كتلة جماهيرية واسعة لعروض ليلية قصيرة ومجانية في فضاءات مفتوحة يسهل الوصول إليها، هذا التنوع ليس قيمة تجريدية؛ إنه بنية استقبال حقيقية تفسر لماذا ينجح حدث بصري عابر للهوية في أن يصبح عادة موسمية محببة.
وعلى خريطة الموسم الثقافي لا يأتي المهرجان بوصفه قفزة معزولة، بل حلقة وسطى في سلسلة ضوئية تمتد على مدار العام، ففي فبراير اعتاد الناس مشاهدة عروض الألعاب النارية اليومية ضمن مهرجان قطر الدولي للأغذية، حيث انطلقت كل ليلة قرابة التاسعة مساء من حديقة الفندق في الدوحة، وتجاورت معها عروض الطائرات المسيرة في بعض الأيام وهذه المواعيد المتكررة صنعت ذاكرة حديثة لدى الجمهور: عندما يقترب الصيف أو تعود الأعياد، ينتظر الناس الشرارة كما ينتظرون الأغنية المفضلة في نهاية الحفل.
وتتسع الخريطة مع مناسبات تقنية وسياحية استثنائية ففي نهاية فبراير 2025، شهدت الدوحة عرضا بصريا جمع الألعاب النارية مع الطائرات المسيرة بالتزامن مع فعاليات قمة ويب سميت، وجذب المقطع المصور تفاعلا واسعا على المنصات الاجتماعية؛ كل هذه التداخلات بين حدث تقني عالمي ومشهد احتفالي محلي تشرح كيف تتقاطع الصناعات الإبداعية مع السياحة والابتكار، وكيف يمكن لأداة ترفيهية أن تتحول إلى بطاقة تعريف حضرية للمدينة عند البث والمشاركة الرقمية.
وتعزز احتفالات ديسمبر تقليداً شتوياً راسخاً في اليوم الوطني في 18 ديسمبر من كل عام حيث تتوج الألعاب النارية العروض والفعاليات على كورنيش الدوحة ومواقع أخرى، في موعد تنتظره العائلات والزوار ضمن رزنامة ثابتة وبهذا التوزيع الزمني يصبح المهرجان الصيفي حلقة تكمل قوسا يمتد من الشتاء إلى الشتاء، ويمنح المدينة إيقاعا بصريا يمكن توقعه والاشتغال عليه سياحيا وثقافيا.
أما على مستوى التجربة نفسها، فيمكن تصميم البرنامج بوصفه حوار بين الصورة والصوت حيث تبدأ الليلة بمقاطع بطيئة تحبها العائلات والأطفال، ثم تتصاعد الإيقاعات مع فقرات موسيقية قصيرة تستلهم أنماطاً عربية وعالمية، وتعود النهاية إلى مشهد بانورامي يصلح للتصوير والمشاركة. تتجاور حول نقاط العرض عربات طعام من مطابخ متعددة، ومنصات صغيرة لورش تصوير الهواتف تساعد الزائر على تحويل المشاهدة إلى مهارة قابلة للتكرار وعندما يغادر الناس المكان وهم يحملون صورة تعلموا كيف يلتقطونها، يصبح الضوء أكثر من فرجة؛ يصبح معرفة صغيرة مشتركة.
ولأن المدينة نفسها هي البطل تحرص الجهات المنظمة على أن يبقى الأثر عادلا في التوزيع الجغرافي وتتجه العروض إلى أكثر من واجهة بحرية، فيظهر حدث في كتارا وآخر في الوكرة، وأحيانا عروض موازية على الكورنيش، بحيث تنال أحياء مختلفة نصيبها من الحركة والفرح وهذا التعدد يشجع أيضاً على أنماط تنقل ذكية، ويتيح للسكان اختيار أقرب نقطة مشاهدة أو أجملها من حيث الخط البصري مع الأفق.
وبهذا يترجم مهرجان الألعاب النارية فكرة التنوع الثقافي إلى مشهد ملموس: ألوان متعددة تشكل لوحة واحدة، وأغان قصيرة من مدارس مختلفة تلتقي على توقيت مشترك، وجمهور واسع يكتشف أنه قادر على التلاقي بلا حاجة إلى لغة وسيطة. بعض فقراته تسنده مواعيد وأرقام موثقة من رزنامة المدينة، وبعضها يكفيه شعور المشاركة المتزامنة تحت سماء واحدة ما يبقى بعد انطفاء الوهج ليس صورة جميلة فقط، بل عادة مدنية يسهل استدعاؤها كلما عاد الموعد.