
يمثل تنظيم المؤتمر الأول للهوية في رؤية قطر الوطنية 2030 خطوة لافتة تعكس إدراكاً عميقاً لحساسية المرحلة التي يعيشها المجتمع القطري في ظل التحولات الرقمية الهائلة. فالإعلان الذي أصدره مركز قطر للتراث والهوية عن عقد هذا المؤتمر يومي 14 و15 نوفمبر الجاري لا يعبّر فقط عن نشاط ثقافي جديد، بل يشير إلى رغبة حقيقية في فهم التغيرات الجذرية التي تعيد تشكيل وعي الأجيال، وكيف يمكن للدولة والمجتمع أن يوازنا بين الحفاظ على الهوية والانخراط في عالم يتغير كل دقيقة بفعل التكنولوجيا.
تأتي هذه المبادرة بعد النجاح الذي حققه الملتقى الأول والثاني للهوية، لكنها تختلف عنهما بأنّها تتعامل مع موضوع بالغ الحساسية: العلاقة بين التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من جهة، والهوية الوطنية من جهة أخرى وهذه الوسائل التي أصبحت جزءاً من تفاصيــــل الحيـــــاة اليومية، تقرر ما يراه الناس وما يسمعونه وكيف يفكرون، حملت معها فرصة هائلة للتعلم والانفتاح، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام أسئلة واسعة حول ثبات الهوية وقدرتها على الصمود وسط هذا الكم من التدفقات الرقمية.
ومن اللافت أنّ المؤتمر لا يستند إلى الخبرة المحلية وحدها، بل يستضيف أكاديميين وباحثين من تركيا وفلسطين وهنغاريا، الأمر الذي يمنحه بعداً مقارناً مهماً. فهذه الدول الثلاث عاشت تجارب مختلفة مع العولمة وضغط الحداثة على الهوية، وتجاربها تفتح للمؤتمر نافذة فكرية واسعة للتأمل في كيفية تعامل الشعوب مع الرهانات الثقافية في زمن متغير. فالتجربة التركية تقدم نموذجاً لبلد يحاول التوفيق بين إرثه الثقافي واندماجه في الغرب؛ أما التجربة الفلسطينية فتقدم مثالاً لشعب ما يزال يحافظ على هويته رغم التهجير والاحتلال؛ في حين أن التجربة الهنغارية تظهر قدرة دولة أوروبية على حماية خصوصيتها الثقافية رغم عضويتها في منظومة شديدة التنوع مثل الاتحاد الأوروبي.
يفتح المؤتمر نقاشاً معمّقاً حول الدور الذي يلعبه الإعلام في تشكيل الهوية، فالمحتوى الإعلامي اليوم لا يمر مروراً عابراً في ذاكرة الناس، بل يكوّن تصوراً عن الذات والآخر، ويعيد صياغة القيم والمعايير. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه هذا المؤتمر هو: كيف يستطيع الإعلام القطري أن يحافظ على التوازن بين المهنية والانفتاح، وبين الانخراط في العالم والتشبث بالجذور؟ وكيف يمكن مواجهة طوفان المحتوى الرقمي القادم من الخارج دون الانغلاق أو الانعزال عن العالم؟
وتتسع دائرة النقاش لتشمل الأسرة، باعتبارها الحاضن الأول للهوية. فالأسرة القطرية تواجه اليوم تحديات جديدة لم تعرفها الأجيال السابقة: أطفال يقضون ساعات طويلة على الشاشات، محتوى عالمي يفرض نمطاً موحداً للذوق والسلوك، وتغير جوهري في طريقة التواصل داخل البيت نفسه. وهذا يدفع إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن الحفاظ على القيم الأسرية في ظل عالم رقمي يغيّر الإيقاع النفسي والاجتماعي للمجتمع؟
ويأخذ المؤتمر خطوة أبعد حين يناقش التأثير المباشر لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية. فهذه المنصات لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات ثقافية تصنع نماذج وقدوات، وتخلق لغة جديدة، وتعيد تعريف معنى الانتماء. الشباب اليوم يعيشون في عالمين: عالم واقعي يحمل تقاليد الأسرة والمجتمع والمدرسة، وعالم افتراضي مفتوح لا يعترف بالحدود ولا بالاختلافات. في هذا المعنى يصبح السؤال المركزي: أيّهما يملك تأثيراً أكبر في تشكيل هوية الجيل الجديد؟ وكيف يمكن للمجتمع القطري أن يحوّل هذه الوسائل إلى أدوات لتعميق الانتماء بدلاً من تذويبه؟
ويختتم المؤتمر طرحه بتجارب الشعوب الأخرى، بهدف الإجابة عن سؤال قديم متجدد: كيف تحافظ الدول على هويتها في عالم متشابك؟ ليست الإجابة واحدة ولا جاهزة، لكن التجارب المطروحة تبرهن على أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً جامداً، بل كياناً حياً يتفاعل ويتطور، ويستطيع أن يجدد نفسه دون أن يفقد جوهره. والتجربة القطرية اليوم تسعى إلى هذا النوع من التوازن: هوية عربية راسخة، منفتحة على العالم، تستفيد من التكنولوجيا دون أن تفقد ذاتها، وتصنع مساحة فريدة تعكس رؤية قطر 2030 التي تجمع بين التنمية والتجديد والحفاظ على الثوابت.
بهذه الرؤية يصبح المؤتمر ليس مجرد فعالية سنوية، بل محطة تفكير عميقة تضع الهوية في مواجهة أسئلة الحاضر، وتبحث في إمكانات المستقبل، وتعمل على صياغة تصور وطني قادر على حماية الجذور، وتطوير الوعي، وتوجيه المجتمع نحو علاقة أكثر وعياً ونضجاً مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.