“معرض “إرث وطن، ذاكرة شعبقطر تحتفي بخمسين عامًا من الذاكرة الوطنية

شهدت الدوحة لحظة ثقافية فارقة مع افتتاح معرض «إرث وطن، ذاكرة شعب: تُروى لخمسين عاماً» احتفاءً بالذكرى الخمسين لتأسيس متحف قطر الوطني، وذلك بحضور سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر. هذا الحدث الذي يستمر حتى السابع من فبراير المقبل، لا يُعد مجرد معرض عابر، بل هو استحضار حيّ لسيرة مؤسسة وطنية كان لها دور محوري في تشكيل الوعي الثقافي لدى المجتمع القطري، ومرافقة تحوّلات الدولة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى حاضرها المتقدّم.
يُعيد المعرض سرد قصة المتحف الوطني منذ نشأته عام 1975 كأول متحف وطني في المنطقة، مروراً بمرحلة إعادة تصوره بالكامل عام 2019 في مبنى بديع التصميم مستوحى من “وردة الصحراء”، من إبداع المهندس العالمي جان نوفيل. هذه الرحلة الزمنية ليست مجرد استعراض بصري، بل سرد متكامل يتناول بدايات الفكرة عام 1972، ثم افتتاح المتحف في قصر الشيخ عبد الله بن جاسم، قبل أن يُغلق أبوابه عام 2004 ليمر بمرحلة تجديد شاملة منحته مكانته العالمية الحالية.
الاحتفال بالذكرى الخمسين امتد خارج جدران المتحف، حيث تمت إقامة رحلة رمزية على متن سنبوك “فتح الخير” الذي جاب كورنيش الدوحة حاملاً شعار المتحف، في مشهد يستحضر رمزية البحر في الذاكرة القطرية، ويجسد مفهوم الاستمراريــــة والتحول اللذين يشكلان أساس رؤية المتحف. كما تم خلال الاحتفالات تكريم عدد من الشخصيات والمؤسسات التي أسهمت في دعم المتحف ومقتنياته، وتوزيع جوائز الذكرى السنوية للمتحفين القديم والجديد.
ولم يكن الفن غائباً عن هذه اللحظة، إذ قدّم الفنان القطري منصور المهندي لوحات بحرية تعكس أبعاد التراث البحري، إلى جانب عروض فنية شارك فيها عارضون محليون ومؤسسات وطنية. كانت هذه الأعمال بمثابة احتفاء جماعي بتراث قطر، وتجسيد لدور المتاحف في جمع الماضي بالحاضر، وتعزيز الهوية الوطنية بوصفها مصدر إلهام للأجيال المقبلة.
يضم المعرض مجموعة واسعة من الوثائق والصور النادرة التي تسجل المراحل الأولى لتأسيس المتحف، مثل “الكرة الأرضية” الأصلية التي تعود إلى عام 1675، إلى جانب أعمال فنية وتركيبية معاصرة تحاكي الماضي بلغة التكنولوجيا الحديثة. من أبرز هذه الأعمال عمل الفنانة القطرية شوق المانع الذي يعيد تخيل الكرة الأرضية الأصلية من خلال منظور بصري جديد يربط بين الذاكرة والتكنولوجيا، بالإضافة إلى عمل الفنان الشيخ خليفة آل ثاني الذي يوظف الذكاء الاصطناعي لإعادة تحريك هندسة القصر القديم وصوره الأرشيفية لإبراز العلاقة بين التاريخ والمستقبل.
ويمتد المعرض كذلك إلى القصر القديم نفسه، حيث تعرض شهادات صوتية وبصرية لزوار من الماضي، إلى جانب مساحة مفتوحة للزائرين لتسجيل ذكرياتهم الخاصة، وكأن المتحف يتحول إلى دفتر يوميات جماعي تتشارك فيه الأجيال قصصها عن الوطن. ويعرض أيضاً العمل التركيبي “أصداء عبر الزمن.. الأبواب الأربعة” للفنان يوسف فخرو، وهو رحلة شعرية عبر الماضي والحاضر والمستقبل تتنقل خلالها الرموز البصرية بين لحظة دعاء طفلة عام 1975 وتصور تخيلي لقطر عام 2050، لتأكيد أنّ الذاكرة ليست حدثاً ساكناً بل كتابة مستمرة.
وتقدّم الأعمال المعروضة مثل “القمر المكتمل” و“اللآلئ لا تُلقى على الرمال” رؤية فنية جديدة تربط الطبيعة والتراث بالابتكار، حيث تتحول السنبوك التقليدي إلى منحوتة مضيئة تستحضر روح الاكتشاف والمغامرة التي شكّلت تاريخ قطر البحري.
ولم تكتف متاحف قطر بالعرض الفني، بل أطلقت باقة واسعة من البرامج العامة المصاحبة للمعرض، من بينها برنامج “أمسية متحفية: تراثنا بعيون شابة” الذي يمنح اليافعين مساحة للتعبير الإبداعي خارج ساعات الدوام المعتادة. ويهدف هذا البرنامج إلى ترسيخ مفهوم المتحف باعتباره “الفضاء الثالث” في حياة الشباب، بين المدرسة والمنزل، حيث يكتسبون مهارات التواصل والقيادة ويطوّرون شعوراً عميقاً بالانتماء.
كما تعمل برامج التعلم والتوعية على تحويل هذا المعرض من تجربة مشاهدة إلى تجربة تفاعلية حيّة، عبر ورش عمل وأنشطة تعليمية تربط الأجيال بتراث قطر الغني، وتحوّل الذاكرة الوطنية إلى تجربة معاشة، لا مجرد سرد تاريخي.
ويأتي هذا المعرض في إطار حملة «أمة التطور» الممتدة لثمانية عشر شهراً، والتي تُكرّم المسيرة الثقافية لدولة قطر على مدار نصف قرن، وتسلط الضوء على المحطات الكبرى التي شكّلت الهوية الثقافية للدولة، في انسجام مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تجعل الثقافة ركيزة أساسية للتنمية.
بهذا المعرض، يؤكد متحف قطر الوطني مرة أخرى دوره بوصفه مؤسسة تحفظ الذاكرة وتنتج المعرفة، وتبني جسوراً بين الماضي والمستقبل. إنّه ليس مجرد احتفاء بخمسين عاماً مضت، بل إعلان واضح بأن إرث الوطن وذاكرة الشعب سيواصلان النمو، جيلاً بعد جيل، في قلب مؤسسة ثقافية تُجسّد هوية الدولة وتطلعاتها نحو المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *