حين تلتقي كتارا بمومباي لغة ثقافية مشتركة على أرض الدوحة

يبدأ أسبوع الثقافة الهندية في قطر يوم الاربعاء 24 سبتمبر 2025 وينتهي يوم الجمعة 3 اكتوبر 2025 في قاعة نادي الغرافة الداخلي، عبر عشر ليال متتالية من العروض الموسيقية والرقص والورش والامسيات الحوارية، في برمجة تمتد من السهرات الفنية الى مساحات التفاعل المباشر مع الجمهور؛ هذا النطاق الزمني يمنح الحدث فرصة كي يبني ذاكرة مشتركة لا تقتصر على الانبهار اللحظي، بل تتسرب الى البيوت والمدارس واماكن العمل بوصفها خبرة معيشة وليست مجرد مشاهدة.
عمق التجربة لا يجيء من كثافة البرنامج وحدها، بل من ان المجتمع الذي يستقبلها مهيأ بطبيعته لجدل التعدد حيث تشير تقديرات سكانية حديثة الى ان غير القطريين يشكلون نحو 88 الى 88.4 في المئة من سكان قطر، مع حضور هندي كبير يراوح بين قرابة 700 الف وقرابة 835 الف مقيم بحسب مصادر مختلفة، ما يجعل الجمهور متعدد اللغات واللهجات جزء من المعادلة منذ لحظة البيع وحتى المقعد الاخير في القاعة وهذه الارقام لا تستخدم كزينة احصائية، بل تفسر لماذا تنجح منصات مثل الاسبوع الثقافي في تحويل المدينة الى مختبر حي للتفاهم اليومي.
وراء الاضواء هناك ذاكرة مؤسسية تعمل كجسر سابق التجهيز؛ مبادرة اعوام الثقافة بين قطر والهند في 2019 نسجت شبكة من التعاون بين المتاحف والمسارح والمجموعات الفنية، ومعها تبلورت لغة عمل مشتركة في الانتاج والبرمجة والتواصل لهذا يبدو الاسبوع كأنه يواصل جملة قد بدأتها الدوحة قبل سنوات: جملة مفادها ان التبادل ليس موسما عابراً، بل سياسة ثقافية تستثمر في الثقة والمعرفة المتبادلة.
وفي القاعة، تتقاطع الكاثاك مع البهاراتناتيام على ايقاعات التابلا والسيتار، ثم تدخل بوليوود بخطوتها المرحة لتوسع الطيف من الكلاسيكي الى الشعبي ولا يكتفي المنظمون بعرض اللوحات الفنية، بل يفتحون مساحة قصيرة بعد كل عرض لتعريف مبسط بمفاهيم الراغا والتالا وكيف تبنى جملة موسيقية على مقياس ايقاعي معين، فيتحول المتلقي من مشاهد الى مستمع مدرب على الاصغاء وفي الليالي المفتوحة للسينما المستقلة، تنعطف الحكايات نحو الهجرة والحنين والاندماج، لتضع الاسئلة في سياق انساني قريب من يوميات الجاليات في الدوحة.
أما خارج القاعة، يقترب الزوار من الهند عبر المطبخ الحي وعلى المائدة تتجاور حدة الفلفل التي تطلبها بعض الاذواق مع توازنات بهارات تراعي الحساسيات المحلية، ويظهر طبق هجين يجسر بين المجبوس والبرياني بوصفه استعارة صالحة للأكل عن فكرة الاندماج؛ هكذا يتعلم الجمهور وصفة واسم وتاريخ بهار، ثم يحمل ذلك كله الى مطبخه في اليوم التالي من دون حاجة لخطاب نظري طويل.
ولان الثقافة خبرة اجتماعية بقدر ما هي طاقة جمالية، يعول الاسبوع على جمهور واسع من العائلات والطلاب والمتطوعين فمنصات التعلّم السريعة داخل المكان تقترح بطاقات لغوية صغيرة تعرف مفردات الضيافة بالعربية والانجليزية وبعض اللغات الهندية الشائعة، فتمنح الزائر قنطرة لغوية فورية وهو يغادر القاعة الى الشارع؛ واذا كان الحدث قد وجد جمهوره جاهزاً رقمياً واجتماعياً، فذلك لان بنية المدينة اصبحت مرنة في استقبال هذا التنوع، من المدارس الى الاندية والمراكز الشبابية.
ومما يزيد ثقل الاسبوع عندما نقارنه بخارطة الفعاليات الهندية في الدوحة خلال العام نفسه حيث شهدت العاصمة على سبيل المثال كرنفالاً هندياً يومي 15 و16 مايو 2025 في المدرسة الهندية، كما اقام المركز الثقافي الهندي بازاره المجتمعي يومي 15 و16 اكتوبر 2025 في قاعة اشوكا، ما يعني ان وتيرة المشاركة الشعبية قائمة ومتصاعدة، وان برمجة اسبوع كامل ليست قفزة في المجهول، بل خطوة تكميلية على مسار واضح.
ولا يهدف الاسبوع الى تذويب الفوارق او انتاج صورة سياحية لامعة، بل الى ادارة الاختلاف بأدوات الفن والمعرفة فحين يخرج الزائر وقد تعلم كلمة جديدة او تذوق بهاراً مغايراً او اكتشف بنية ايقاعية غير مألوفة، يكون قد قطع مسافة صغيرة لكنها حقيقية على جسر طويل وهناك، في تلك المسافات القصيرة المتراكمة، تتشكل قصة الدوحة بوصفها مدينة قادرة على الاصغاء والتعلم والاحتفاء بما هو متنوع ومتقاطع في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *