
في عالم تتشابك فيه الرسائل وتزدحم فيه المنصات، يظل الإعلامي الحقيقي هو القادر على صنع الفارق عبر الصدق، والوعي، والرؤية الإنسانية خلف كل كلمة تُقال على الشاشة.
في هذا الحوار الموسع، نفتح صفحات التجربة المهنية للإعلامية القطرية مريم المنصور، التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الإعلامية بجهد واضح وقيم ثابتة وارتباط صادق بالهوية القطرية؛ حوارٌ يأخذنا من بداياتها، إلى أبرز محطاتها، إلى رؤيتها لدور الإعلام في مجتمع متعدد الثقافات مثل قطر.
تبدأ المنصور حديثها بالعودة إلى بدايات شغفها بالإعلام، فتقول إن علاقتها بالشاشة بدأت في مرحلة مبكرة من طفولتها، حين كانت تتابع البرامج الأجنبية الشهيرة، وعلى رأسها برنامج أوبرا، وتقرأ الترجمة بشغف وتفاعل كبيرين. وقد دفعها هذا الاهتمام المبكر إلى الاقتراب من الإعلام دون أن تدرك حينها أن ذلك سيصبح مسار حياتها المهنية. ورغم التحاقها في البداية بالمسار العلمي ودراسة البيولوجيا، سرعان ما اكتشفت أن هذا التخصص لا يعبّر عن ميولها، نظراً لاختلاف اللغة والمناهج، فاختارت التحوّل إلى دراسة الإعلام والإدارة، حيث وجدت ذاتها وانطلقت في طريقها المهني.
وعن التحديات الأولى التي واجهتها، تشير المنصور إلى أنّ دخولها قناة الريان في أول وظيفة لها كان بدافع مادي بحت، غير أنّ التجربة سرعان ما كشفت لها الوجه الحقيقي للمهنة. فقد أدركت أنّ الإعلام ليس منصباً إعلامياً فحسب، بل مسؤولية كبرى، وأنّ الكلمة التي تُقال على الشاشة تحمل تأثيراً على الجمهور، وتكوّن وعياً، وتصنع رأياً عاماً. هذه اللحظة، كما تقول، غيّرت نظرتها بالكامل، وتحول هدفها من البحث عن وظيفة إلى حمل رسالة إعلامية مخلصة.
وعندما تسألها عن التجربة التي شكّلت منعطفاً حقيقياً في مسيرتها، تشير مباشرة إلى مشاركتها في تغطية كأس العالم. فقد لم تُطلب منها المشاركة رسمياً في التغطية، لكنها تقدمت من تلقاء نفسها، وشاركت ميدانياً في حدث عالمي كبير. وتصف هذه الخطوة بأنها كانت نقلة نوعية سمحت لها بالخروج من الإطار التقليدي للعمل، ومنحتها ثقة أكبر في قدراتها المهنية، خاصة وأنها جاءت في مجال لم يكن من تخصصات القناة آنذاك.
وتوضح المنصور أنّ التحضير لحلقات البرامج التي تقدّمها يقوم على البحث الدقيق والاطلاع المستمر، مؤكدة أن خلفيتها الأكاديمية في الإدارة ساعدتها على التعامل مع البيانات والأرقام والمعلومــــات بطريقة منهجية؛ وتشدّد على أنّ المصداقية هي أساس العمل الإعلامي، وأنّ ما يُعرض على الشاشة يجب أن يستند إلى معلومات صحيحة وموثوقة، لأن الجمهور أصبح أكثر وعياً وقدرة على التفريق بين الحقيقة والزيف.
أما عن دور الإعلام في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية في قطر، فتؤكد المنصور أنّ الإعلام ينبغي أن يعرض القضايا بموضوعية وواقعية، بعيداً عن الإثارة المفتعلة. فالقضية، في رأيها، يجب أن تُناقَش بطريقة تُفيد المجتمع، وتساهم في تعزيز الوعي، وتقريب وجهات النظر، لا في خلق ضجيج إعلامي لا طائل منه.
وتتحدث المنصور عن القيم الأساسية التي تحرص على إيصالها في برامجها، فتضع الصدق على رأس تلك القيم، مشيرة إلى أنّ الشاشة تكشف نوايا الإعلامي، وأنّ الجمهور قادر على التمييز بين من يتحدث بصدق ومن يؤدي دوراً لا يؤمن به. كما تؤمن بأنّ ما يقوله الإعلامي على الشاشة يجب أن يعكس واقعه وقيمه، حتى يكون جديراً بالثقة.
وفي تقييمها لتطور الإعلام المحلي في قطر، ترى المنصور أنّ المشهد الإعلامي شهد تغيراً نوعياً خلال السنوات الماضية، مع دخول عدد كبير من الوجوه الشبابية الجديدة، الأمر الذي أضفى حيوية وتجديداً، وزاد من عمق التجربة الإعلامية في الدولة.
وتشير المنصور إلى أنّ تعزيز الهوية القطرية في الإعلام يتم من خلال تفاصيل بسيطة لكنها مؤثرة، مثل الالتزام بالزي الوطني، وإبراز الثقافة المحلية، والحديث عن التراث بشكل يومي وطبيعي. وتعتبر أنّ الإعلام قادر على جعل الهوية القطرية جزءاً مرئياً دائماً في الوعي الجمعي، مما يعزز الانتماء ويعبّر عن خصوصية المجتمع.
وعن التنوع الثقافي في قطر، تقول المنصور إنّه جزء طبيعي من الحياة اليومية في الدولة، وأنّ الإعلام قادر على إبراز هذه القوة من خلال استضافة خبراء ومختصين من مختلف الجنسيات، والحديث عن مساهماتهم دون التركيز على جنسياتهم بحد ذاتها. فالمعيار الحقيقي، كما تقول، هو العطاء وليس الجنسية، وهذا ما يجعل الإعلام القطري يقدم صورة عادلة ومتوازنة.
وفي نهاية الحوار، توجه المنصور رسالة للإعلاميين الشباب، فتدعوهم إلى أن يعيشوا القضايا قبل أن يتحدثوا عنها، وأن يكونوا قريبين من الناس، صادقين في رسائلهم، مدركين أن الإعلام مسؤولية لا مجرد وظيفة. وتختتم بقولها:
“من يريد دخول الإعلام يجب أن يحبه حقاً “فالقيم والمبادئ هي التي تصنع الإعلامي، لا اللقب ولا الظهور”.
بهذا الحديث الصادق، تكشف مريم المنصور عن جوهر تجربتها: إعلام ينبع من القلب، ويستند إلى المسؤولية، ويعكس صورة قطر بكل تنوعها وحيويتها.