
يحتل الدكتور محمد عبد الرحيم كافود موقعاً فريداً في المشهد الثقافي القطري، ليس لأنه شغل مناصب رفيعة فحسب، بل لأنه مثقف من طراز خاص آمن بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن الهوية ليست شعاراً، وأن التعليم ليس مجرد تلقين، بل هو مشروع وطني كامل. تمتد تجربته لأكثر من نصف قرن، تشكل خلالها وعي ثقافي وطني، وأسّس لرؤية عميقة للغة العربية والأدب القطري والخليجي، وأصبح مرجعاً بارزاً في حركة تحديث التعليم والثقافة في البلاد.
وُلد الدكتور كافود عام 1949 في منطقة مشيرب، إحدى أقدم أحياء الدوحة، في مرحلة كانت قطر فيها تعيش بدايات التحول الاجتماعي والاقتصادي. وقد تركت البيئة الشعبية التي نشأ فيها أثراً عميقاً في وعيه المبكر، إذ شكّلت القصص الشعبية، والأمثال، واللغة العربية الأصيلة خلفية طفولته اليومية. تلك التجربة المبكرة فتحت أمامه أبواب الأسئلة حول اللغة والهوية والثقافة، وأسست لميوله الأدبية والفكرية التي سترافقه طوال حياته. كان يعرف منذ سنواته الأولى أن اللغة ليست مجرد أداة، بل ذاكرة، وأن الثقافة ليست مجرد روايات، بل هوية تُصاغ كل يوم.
اختار الدكتور كافود أن يتابع دراسته في القاهرة، حيث التحق بجامعة الأزهر، وحصل على بكالوريوس اللغة العربية، ثم واصل دراسته العليا فحصل على الماجستير ثم الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث في الخليج العربي. كانت دراسته في ذلك المجال في وقت مبكر خطوة رائدة؛ ففي السبعينيات والثمانينيات، لم يكن الأدب القطري والخليجي قد حظي بالاهتمام الأكاديمي الكافي، كما كانت الدراسات النقدية التي تربط الأدب بالتحولات الاجتماعية قليلة. ولذلك، شكلت أعماله الأولى لبنة أولى في أرشفة الأدب القطري وتحليله.
عند عودته إلى قطر، التحق بجامعة قطر في بداياتها، وكان واحداً من أوائل الأساتذة المواطنين الذين ساهموا في بناء قسم اللغة العربية، وفي وضع المناهج الأولى التي تربط اللغة بتراث المجتمع. ومع مرور الوقت، أسندت إليه مناصب أكاديمية وإدارية مهمة، بدءاً من معيد إلى مدرس ثم أستاذ، قبل أن يتولى منصب عميد شؤون الطلاب، ثم عميد كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وأخيراً نائب مدير الجامعة للبحث وخدمـــة المجتمــــع وفي كل هذه
المناصب، ظل يحمل رؤيته الواضحة بأن الجامعة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط، بل بيئة لصناعة الوعي وتوحيد المجتمع حول قيم مشتركة.
وفي منتصف التسعينيات، دخل مرحلة جديدة عندما تم تعيينه وزيراً للتربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة. كانت هذه المسؤولية منعطفاً في حياته، لأنها مكنته من تحويل رؤاه الفكرية إلى سياسات فعلية. كان يؤمن أن التعليم هو العمود الفقري لأي مشروع وطني، وأن المناهج يجب أن تعكس هوية المجتمع القطرية، وأن اللغة العربية يجب أن تحافظ على مركزيتها في التعليم. خلال تلك المرحلة، عمل على تطوير المسارات التعليمية، ودعم البرامج الثقافية، وتعزيز حضور العربية في المدارس والجامعات بطريقة متوازنة تراعي لغة العصر دون التفريط في اللغة الأم.
ثم تولّى بعد ذلك رئاسة المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، وهو منصب أتاح له أن يوسع تأثيره خارج حدود التعليم، وأن يعمل على تنشيط الحركة الثقافية وتنظيم الفعاليات التراثية والفنية. تحت قيادته، شهدت الساحة الثقافية في قطر اتساعاً في نطاق الفعاليات، وإطلاق مبادرات تعزز الهوية القطرية بطرق حديثة، وتربط الأجيال الشابة بتاريخ بلادهم وتطوراتها. لقد كان يدرك أن الثقافة ليست نشاطاً موسمياً، بل هي الروح التي تمنح المجتمع معناه.
أما على صعيد الكتابة والتأليف، فقد ترك الدكتور كافود بصمة واضحة في النقد الأدبي، وفي دراسة الأدب القطري والخليجي. فكتبه حول الأدب القطري الحديث، والقصة القصيرة في قطر، والنقد الأدبي الحديث في الخليج العربي كانت أولى المحاولات العلمية الجادة التي تقدم قراءة شاملة للتجربة الأدبية في المنطقة. عبر هذه المؤلفات، أسهم في حفظ التراث الأدبي الحديث، وتوثيق مراحل تطوره، وتحليل الظواهر الأدبية وربطها بالتغيرات الاجتماعية والسياسية. وهكذا، أصبح مرجعاً لا غنى عنه في أي بحث يتعلق بالأدب القطري.
ويمتاز الدكتور كافود أيضاً بكونه واحداً من أبرز الأصوات المدافعة عن اللغة العربية في الخليج، حيث كان يرى فيها ركناً من أركان الهوية لا يمكن التفريط فيه. لم يكن دفاعه خطابياً، بل علمياً؛ فقد عمل على تحسين حضور العربية في التعليم والإعلام والثقافة، ونبّه إلى مخاطر الازدواجية اللغوية إذا لم تُحسن إدارتها كان يرى أن قوة أي مجتمع تُقاس بقدرته على حماية لغته، دون أن يمنع ذلك من الانفتاح على اللغات الأخرى.
واليوم، وبعد مسيرة تمتد لنحو نصف قرن، يُنظر إلى الدكتور كافود باعتباره شخصية محورية في صياغة الخطاب الثقافي القطري. فهو جزء من ذاكرة الدولة الحديثة، وشاهد على التحولات الكبرى التي عاشتها، ومؤسس لمرحلة مهمة من مراحل الوعي الثقافي الوطني. لقد جمع بين خبرة الأكاديمي، وتجربة الإداري، ورؤية المثقف، وحسّ الوطني الذي يدرك أن الهوية القطرية مشروع مستمر، وأن الثقافة هي الجسر الذي يربط الماضي بالمستقبل.